قراءة نقدية في حجاب السكرتيرة للكاتبة خولة القزويني

قراءة نقدية

 

حجاب السكرتيرة

الكاتبة | خولة القزويني

 

تتناول الكاتبة في هذه القصة موضوعاً له من الأهمية الكثير حيث إن المجتمع يرقى إذا التُزم به وينحدر للهاوية إذا تُرك .. ، ألا هو الحجاب .

إن الكاتبة ومن خلال هذه الأحرف النور نجدها تدعو الأنثى إلى الالتزام بالحجاب عبر قالبٍ دراميٍ  واضعةً في عمقه ثقافةٌ نحتاج إلى استجلائها لذا سأقف على بعض المواضع في هذه القصة محاولاً بحجمي الصغير أن أمزج أحرفي بأحرفها و فكري بفكرها لعل أحرفي الظمئ  ترشف الماء بين أحرفها ..

 

·        حجـاب السكرتيـرة !

 

همسة : لا تحكم على ما تعلم ( مثل روسي ) .

 

تبدأ القصة بهمسةٍ وهي مثلاً روسياً هو : لا تحكم على ما تعلم .

إن هذه الهمسة تحمل في مضمونها إشارةَ ترتبط بالفكرة المراد إيصالها إلى القارئ  ليقوم بعملية الاستنتاج حتى تثبت الفكرة في عقله وذاته ..

 

·        شهد السكرتيرة  :

 

في دهاليز مؤسسة النجاح التجارية يتردد اسماً كالسكر حلاوة نقاءً ، ( شهد ) فراشة ربيعية استوى عودها كغصن البان ، صوتها المنعش ينتشر في الأثير المحبوس بين المكاتب فينتفض الروتين .

يتلفت الموظفون من وراء القواطع الشفافة إلى مشيتها الاقتحامية حينما تدّق الأرض بحوافرها المدببة فيتأجج فيهم نشاطاً غير عادياً .

 

إنها تعطي القارئ في بداية القصة صورةٌ عن البطلة ( شهد ) وما لها من التأثير المباشر في المؤسسة على الموظفين من ناحية الحضور المفعم بالنشاط والحيوية في أداء العمل .. ، ( عبدالله  خذ هذا الملف لتراجع الحسابات ) ، ( الاجتماع في الساعة العاشرة ، أرجو عدم التأخير ) ، ومن ناحية الحضور الجسدي الملفت كأنثى جميلةٍ ترتدي ثياباً تبرز مفاتنها .. ( ثوبها ينحسر حتى مكامن أنوثتها ، كم هي وقحة ! ) ، ( لا أجد في ساقيها جمالاً يستحق كل هذا العرض الباذخ ) ، إذاً ( شهد ) امرأةٌ متحررةُ لا تهتم بالحجاب الإسلامي مع كونها تعيش في مجتمعٍ عربيٍ إسلاميٍ ، هذا سؤال يطرح نفسه على القارئ ليبرز في سماء فكره ، وربما أرادته الكاتبة أن يكون ..

 

إنه لمن طبيعة الحال أن تثير شخصيةٌ كهذه ما حولها سلباً أو إيجاباً وهذا ما كان ..

 

( وتخلّف وراءها عاصفة من النميمة ، نظرات الدهشة المنحدرة في الإسفاف جعلتها طُعماً لأفواهٍ شرهةٍ ، تغمز إحدى الموظفات فور أن تدبر :

- وتتشفى زميلتها :

- وبرد استفزازي مقصود يعبّر أحدهم :

- لكنها مدهشة.

صفعته الموظفة بنظرة سخط :

- بل رخيصة تعرض مفاتنها بابتذال .

- وفي سياق الحقد النسوي توافقها أخرى :

- ولهذا عرفت كيف تستميل المدير .

- اعترض أحدهم فترك المكتب غاضباً :

- أعوذ بالله منكم ، صارت الأعراض مضغةٌ في أفواهكم ) .

 

هنا تشتد الأحداث تفاعلاً لتأخذ الكاتبة القارئ إلى التعرف على نماذج من العقول والأفكار .. إنها  تلامس الواقع .. .

 

( تأخذ ( شهد ) مكانها في المكتب بآلية من تناغمت مع الأجهزة الإلكترونية الصماء ، متوافقة مع المكان، تشكل لوحة عمل من الطراز الرأسمالي، منجزة إلى درجة أن تتعطل حواسها الأنثوية في كبسة زر ، التناقض الذي لم تستوعبه بيئة ذات ثقافة سطحية، اتخذوها لقمة سائغة تُقرض غيباً بمقراض الحقد والحسد.

لم يفهموا الابتذال كقرار مسبوق بنية شريرة تدفع الإنسان إلى ممارسة فنون من الاستهتار الأخلاقي ، فهم حينما يقتربون من شهد يفاجئهم متراساً من الصلب والحديد، هذه الدمية الأزهرية ذات الملمس الحريري والطلة المغناج ، يفرز جسدها اللدن قشرة صلبة كحالة دفاعية ) .

 

إنها تفسح المجال للقارئ ليتعمق أكثر في شخصية ( شهد ) ليرى بأن عدم ارتداء شهد الحجاب لم يكن الدافع وراءه البحث عن الرذيلة في جذب الآخر وإنما هو العيش في بلاد الغرب والتأثر بثقافته ليظهر ذلك على مظهرها  ( أمها إنجليزية ) .

  

( رغب فيها مديرها الكهل فعاث يغويها في الخلوات بالهدايا والعطايا لكنها تنزلق من بين أصابعه كالماء وتتبخر ، مترفّعة ، عصيّة على الرجال والمراهنات الغبية ، قوضت أحلام التماسيح الساذجة فأعادتهم إلى أرحام أمهاتهم أجنة ) .

 

·        المرأة سلعة :

 

إنها توجه القارئ للثقافة الشيطانية لدى البعض وكيف ينظرون إلى الأنثى بكونها سلعةً يجتهدون في احتوائها لإشباع غريزتهم حاملين على عواتقهم تلك الخطط الشيطانية ( لم تخبرني يا (حسن) عن غزالة بهذا الجمال  ) ، (  بصراحة إنها تدير الرأس فعلاً وحتماً سأدمن على زيارتك ) ، ( معقول ؟ ! ، معقول يا حسن تستعصي عليك فتاة بهذا الحجم ) ؟ ! ، (تجهّمت (شهد) فوضعت الملف على المكتب وردت الباب ثائرة ) ،

( إنها جهنم الحمراء ، لا يتجرأ مخلوقاً على الاقتراب من حصونها المنيعة ) .

 

( أطلق العنان لعينيه الوقحتين تبحلقان في مساحاتها البكر، فاختلج صوته انفعالاً :

 

- إذن لما ترتدين الثياب الفاضحة ؟

 

أجفلت وعيناها تجحظان في ذعر :

 

- فاضحة ؟ ! ، هل تعتبر أناقتي فضيحة ؟ !

 

 اختل توازنه :

 

- إنك تعذبيني بجمالك .

 

وحاول أن يسيطر على ارتباكه :

 

-  ثيابك مثيرة ..  ، لا تُحتمل .

 

نهرته بلطمةٍ على خده :

 

- أيها الوقح .. ، احترم سنك واحترمني .

 

خرجت وهي تحاول أن تتجلد في مظهرها وتفتعل السكون ) .

 

إنها تشير إلى النظرة الدونية للرجل اتجاه الأنثى حيث أنه يقبرها في زاويةٍ ظلماء لا نور فيها ليلهو ويمرح كما يشتهي .

·        فلسفة الحجاب :

 

( هذه الزهرة المتوحدة في خصوصيتها تفجر لغماً ينسف الظنون السيئة والهواجس الخبيثة، فالهمس يستشري كالنار في الهشيم، ( تحجبت ! ) ، تتناقل الألسن خبر حجابها في ذهول واستدراك :

- ( تحجبت )  ؟ ! .

 

 التحفة المرمرية مغطاة بثياب سود ، يتداولون الحدث بشيء من التأويل والتخمين .

 

زميلتها إيناس تسأل في توجس :

 

- هل تحجبتِ عن قناعة ؟

 

طبعاً ، فقد أقنعني خطيبي بالحجاب وأدركت في النهاية أنه درع يحصن المرأة ويدفع عنها الأذى ) .

 

إنها تشير إلى فلسفة الحجاب بكونه يحصن الأنثى من الذئاب البشرية ويجعلها جوهرةً لا يرمقها من لا يستحق وصولاً إلى كونه يمثل أماناً اجتماعياً في البيئة الاجتماعية لكل مجتمعٍ سواء كان إسلامياً أم غير إسلامي .

 

·        احترام الخصوصية :

 

 ( لا أسمح لأحد أن يتدخل في حياتي ، لكني مضطرة أن أكشف لكِ الأمر ، فلقد تربيت بعد وفاة أبي في

( لندن ) وفي بيئة مختلفة تماماً عن بيئتكم ، ولم أكن على علم ودراية بفلسفة الحجاب حتى خطبني ابن عمي وعلّمني وأدبني واقتنعت وتحجبت ، والله يهدي من يشاء ) .

 

 

احترام خصوصية الآخر قيمةٌ إنسانيةٌ حيث نجدها هنا تتجه للطرف الآخر لتكون فضوليةً لا تحترم المسافة .. ، وهذا الفضول منتشراً في المجتمع العربي لوجود الفراغ الثقافي والروحي الذي نعاني منه في كل الأصعدة .

 

( كنت أظنك يا إيناس أكثر إنسان يفهمني في المؤسسة لأنكِ طوال اليوم تعملين معي وشاهدة على سلوكي وتصرفاتي ، فهل بدر مني ما يخدش الحياء أو يسيء للأدب ) ؟ ! .

 

إنها تشير إلى أن الإنسان في وجوده يحتاج إلى من يفهمه ويكون له ظلاً يلجئ إليه من لظى الشمس

 الحارقة ، يقول الشهيد مرتضى المطهري : إن الإنسان الرسالي يحتاج إلى إنسانٍ رساليٍ مثله .

 

( قطع حديثهما دخول المدير ( حسن ) ، أجفل فور أن وقعت عيناه على خمار ( شهد )  الأسود :

 

- ما هذا يا حاجة شهد ؟ ! .

 

رمقته بنظرة احتقار مشوبة بثقة واعتزاز بالنفس :

 

- الدرع الذي يصد العيون النهمة .

 

احمرّ وجهه وشمله اضطراب شديد، لكنه استجمع إرادته وأطلق قراره :

 

- هذه الثياب لا تصلح لسكرتيرتي الخاصة ، فأرجو أن تتركي المؤسسة وتبحثي عن مكان آخر ) .

 

- ألقت شهد الأوراق من يديها وسحبت الكرسي قائلة في كبرياء  :

 

- وأنا على أتم الاستعداد لترك العمل .

 

وكتبت من فورها قرار الاستقالة دون تفكير أو تردد ثم خرجت إلى الشارع تلتقط أنفاسها :

 

- الحمد لله أن وفقني ربي إلى هذا القرار ) .

 

إن الكاتبة في نهاية القصة قد استخدمت أسلوباً كلاسيكياً لا يحتوي على حرارةٍ انفعاليةٍ تشعل وجدان وعقل القارئ وقد كانت المعالجة الدرامية لموضوع الحجاب كما يفعل ( الحكواتي ) في سرد الأحداث إلا أنها في بعض مجريات الأحداث قد استخدمت أسلوباً بلاغياً ذو جذوةٍ وجدانيةٍ تجذب القارئ وهذا ما نراه في بداية القصة إلا أن أحرفها قد تراخت نوعاً ما .

 

إن الكاتبة قد وضعت السبب الذي جعل شهد ترتدي الحجاب وهو خطيبها الذي أقنعها بفلسفة الحجاب فاقتنعت وارتدته .

 

إنه السبب ربما كان سبباً تقليدياً والذي جعل الكاتبة تلجئ إليه ربما الاستعجال المفرط لإنهاء القصة ، تمنيت أن تسهب الكاتبة في عملية اقتناع شهد بالحجاب عبر خطيبها لتعطي القارئ شيئاً من المنطقية الواضحة بدل المنطقية الغير واضحة المعالم ليتفاعل عقله ووجدانه مع الأحداث ، وإذا أردنا أن ننصف الكاتبة ولا نبخسها حقها نقول : ربما الكاتبة أرادت أن تشرك القارئ معها في مسألة اقتناع شهد عبر خطيبها ليغمض القارئ عينيه وينسج هو الحوار الذي كان بينهما بلغته وفكره .. ، إضافةً إلى أن الكاتبة قالت على لسان شهد بأنها قد عرفت فلسفة الحجاب فلو تطرقت الكاتبة قليلاً بذكر بعضها ليتعرف القارئ على تلك الفلسفة خصوصاً أن قراء الكاتبة الفاضلة كثر ممن يؤمن بالحجاب وممن لا يؤمن به والكاتبة لا يعوزها الأسلوب والفعل الدرامي فهي أدبيةٌ كبيرةٌ ..  

في نهاية هذه القراءة أرجو من الكاتبة الفاضلة أن تتقبل هذا النقد الفضولي خصوصاً أنها تحمل بين جنبيها روحاً صافيةً تتسع للرأي الآخر وإن كان نقداً مصبوغاً بالفضول .

معلم لغة عربية