هل الإدارة تُبنى على الغموض أم تُدار بالشفافية
في واقعنا المؤسساتي أو حتى في بيئات العمل المختلفة تبرز مؤسسات إنتاجية أو خدماتية تتفاخر بشعارات براقة ووعود جذابة تجعلها تبدو كنماذج مثالية ورموز للابتكار والريادة، حيث تظهر هذه المؤسسات وكأنها تجسد قمة التفوق والتميز التجاري، لكنها ومع الأسف الشديد تعتمد في جوهرها على الغموض أو التحايل أو الاخفاء ومثل هذه المؤسسات غالبا ما تترك العملاء أو المتعاملين معها في حالة من الحيرة والشك وتجعلهم عرضة للضغوط النفسية والعصبية نتيجةً لغياب الوضوح في الأهداف والإجراءات، والقوانين، واللوائح والأساليب.. الخ، تماما كالمسافرين في رحلة على متن طائرة ولكن دون خطة واضحة أو وجهة محددة مما يجعل الجميع في حالة من التوتر والارباك بسبب فقدان الثقة في القيادة والنهج المتبع.
وعلى الجانب الاخر نجد مؤسسات ناجحة اختارت الشفافية كنهج رئيس للتعامل مع موظفيها أو المتعاملين معها واعتبرتهم كشركاء في النجاح حيث تشاركهم في الرؤية والخطط المستقبلية وتتسم في إدارتها للازمات بالصراحة والصدق مما يخلق بيئة عمل إيجابية تدفع الجميع نحو تحقيق النجاح المشترك.
فالشفافية هُنا ليست مجرد شعار أو فكرة تُطرح نظريا، بل هي نهج عملي يجب أن يُترجم إلى سياسات وإجراءات واضحة تُسهم في بناء الثقة وتعزيز المصداقية بين الأطراف المختلفة، وهذا ما جسدته شركة مايكروسوفت من خلال سياساتها الواضحة في مشاركة البيانات، واحترام خصوصية المستخدمين والافصاح عن أنشطتها التجارية والتقنية.
وفي هذا المقال سنتعرف على مفهوم الغموض المؤسساتي وما هو الفرق بينة وبين الشفافية المؤسساتية وكيف يمكن ان تتحول الشعارات الزائفة إلى أداة هدم بدلا من أن تكون أداة للبناء، كما وسنتطرق إلى الأسباب والعوامل التي تدفع ببعض المؤسسات إلى تبني الغموض كمنهج، وعن الخطوات العملية لتبني الشفافية وتجنب الغموض لنصنع بذلك إطارا عمليا يساعد القادة مع المؤسسات على اختيار الطريق الصحيح.
الغموض
لقد ورد ذكر مصطلح الغموض Ambiguity لأول مرة في الأدب الإنجليزي عام 1588م كما يقول الدكتور السعودي هلال محمد العسكر في مقاله عن الغموض على صفحة أوراق تدريبية، وهو يعني إخفاء أو عدم إيضاح المعنى بقصد، كالتدليس أو التحايل أو الغرر أو بدون قصد كالجهل أو التعدد والتنوع في المفردات أو التراكيب أو المعاني أو المفاهيم نتيجة سعة الملكة أو اختلاف اللغة والثقافة أو عدم الوضوح الناتج عن أكثر من معنى للشيء الواحد، او الشيء الذي يتم تفسيره وفهمه بعدة طرق مثل قولنا ”باب“ فالباب قد يعني باب دار أو باب كتاب أو باب رزق.. إلخ ولذلك فأنه قد لا ُيفهم المعنى إلا من سياق الكلام كقولنا: نريدُ شراء باب للدار أو نريد أن نكتب باباَ من كتاب الإدارة.. إلخ، وأن الغموض يختلف عن الفجاجة التي تعني أن الكلمة لها معنى واحد ولكنه غير محدد. والغموض في اللغة من غمض «بفتح الميم وضمها» فكل مالم يصل إلينا واضحا من الكلام فهو غامض ولذلك فإن الغامض من الكلام خلاف الواضح، وقد استنفذ الفلاسفة وأصحاب المنطق وقتاَ وجهدا في البحث من أجل إقصاء الغموض عن مجالس النقاش والحوار والمجادلات لإنه يقود إلى التضليل واستنتاجات غير صحيحة، كما يمكن استخدامه للتسلط والاستبداد والتفرد والاثارة وغيرها من المشاكل والصراعات الدامية «انتهى كلام الدكتور العسكر»
بينما الغموض المؤسساتي الذي نحن في صدده يشير إلى حالة من عدم الوضوح أو الشفافية في سياسات وإجراءات المؤسسات التجارية كالغموض أو الضبابية التي نواجها في بيئات الاعمال بسبب التغيرات أو التحديات الخارجية أو الداخلية التي تجعل من الصعب اتخاذ القرارات الواضحة أو تحقيق الأهداف الإستراتيجية مثل تغير أسعار المنتجات أو التضخم المفاجئ أو الركود الاقتصادي الذي يؤدي إلى انخفاض الطلب.. إلخ، والغموض الذي يواجه الافراد أو المتعاملين مع المؤسسات التجارية الخاصة خاصة في أوقات الركود والاضطراب الاقتصادي، وزيادة القلق بشأن قرب دفع رواتب العمالة في نهاية الشهر وما إلى هنالك
الغموض والشفافية
الشفافية: تعني الإفصاح والوضوح في المعلومات المتعلقة بأداء المؤسسة وأهدافها وإجراءاتها وقوانينها مع تبني الصدق والانفتاح، بينما الغموض المؤسسي الذي يعتمد على الاخفاء أو التلاعب بالمعلومات كشركة أنرون الامريكية على سبيل المثال التي استخدمت ممارسات محاسبية خادعة لإخفاء ديونها الضخمة مما أدى إلى انهيارها المفاجئ في عام 2001 وإلحاق الخسائر الكبيرة بالمستثمرين والموظفين والعديد من أمثالها، وهنا قد يسأل سائل هل الغموض أو التلاعب بالمعلومات من قبل القادة في المؤسسات التجارية حاله ثابته أو مطلقة أم هي حالة نسبية تمارس في أوقات محدودة وبدرجات متعددة؟
وللتوضيح يمكننا القول بإن الغموض أو التلاعب بالمعلومات من قبل بعض المؤسسات ليس حالة ثابته أو مطلقة بل هي حالة نسبية تُمارس بدرجات متفاوتة، وفي أوقات محددة بناءَ على سياقات وأهداف مختلفة وإليك التوضيح
أولا - قد يكون الغموض وسيلة تُستخدم لتحقيق مكاسب مؤقتة مثل جذب العملاء أو تجنب الانتقادات أو قد يكون بسيطا وغير ملاحظ أو واضحا ويهدف إلى التضليل مثل ”شركة تكنولوجية تعلن عن إطلاق أسرع جهاز في السوق ولكنها لا توضح سرعة الجهاز مقارنة بالمنافسين“ أو منصة تداول رقمية تعلن عن أرباح ضخمة لكنها تخفي مخاطر الاستثمار المرتبطة بتقلبات السوق
ثانيا - قد يكون الغموض وسيلة للتلاعب بالمعلومات في أوقات الازمات أو عند تعرضها لضغوط كبيرة مثل التحديات الاقتصادية أو المنافسة الشديدة أو الفضائح أو.. إلخ ”كشركة طيران على سبيل المثال تعلن عن إعادة ترتيب جدول للرحلات بسبب مشاكل مالية بينما الحقيقة أنها تُقلص عملياتها بشكل كبير“ أو كشركة تعلن عن خطط لتطوير عملياتها ولكنها تُخفي أن التطوير يتضمن فصل عدد كبير من الموظفين
ثالثا - قد يكون الغموض وسيلة للتلاعب بالشعارات البراقة أو الجذابة التي تشوه الحقيقة وتجعل من الصعب كشف الأهداف الحقيقية من وراءها ”كماركة تجارية“ تُعلن عن منتج جديد تحت شعار ”قوة لا تُهزم“ دون توضيح الخصائص الحقيقية التي تجعل المنتج مميزا ”أو كشركة تقدم خدمة اشتراك شهري ولكنها تُخفي رسوم الإلغاء أو الرسوم الإضافية المرتبطة بالخدمة“ وما إلى هنالك من التلاعب بالمعلومات الذي يتخذ اشكالاَ وانواعاَ متعددة ويُمارس لإهداف مختلفة، ولذلك كلما تعمق وعيّ الافراد والجمهور وارتفعت معرفتهم بمفهوم الغموض المؤسساتي أصبحت المؤسسات أكثر عرضة للمساءلة وأكثر اضطرارا إلى تعزيز الشفافية والوضوح في تعاملاتها وممارساتها
الشعارات الزائفة وآثارها المدمرة
لاشك أن الشعارات الزائفة التي تطلقها المؤسسات التجارية بين الحين والآخر بغرض الترويج لنفسها ولمنتجاتها تشكل خطرا خفيا على مصداقيتها واستقرارها على المدى الطويل، إذ تبدو في البداية وسيلة لجذب العملاء وبناء صورة إيجابية لها، ولكنها سرعان ما تتحول إلى أداة هدم عندما يكتشف الجمهور أن هذه الشعارات لا تعكس الحقيقة أو الواقع، فعلى سبيل المثال عندما تعلن مؤسسة تجارية عن اهتمامها براحة موظفيها وجودة بيئة العمل بينما يعاني الموظفون في الحقيقة من ضغوطات وظيفية وضعف في الامتيازات، وغياب بيئة العمل المحفزة والآمنة، وأن هذا التناقض يبرز التباين الواضح بين تطلعات الشركات لتحسين الأداء وصورة الواقع الذي يعيشه العاملون فيها مما يؤدي إلى تراجع سمعتها وفقدان ولاء عُملائها، وما إلى هنالك.
الأسباب التي قد تدفع المؤسسات لتبني الغموض كمنهج
قد يعتقد البعض أن المؤسسات التجارية التي تعتمد الغموض تسعى فقط لحماية مصالحها التجارية كالحفاظ على الميزة التنافسية أو الحماية من المنافسين أو لتجنب الكشف عن أسرارها التي قد تؤثر على سمعتها أو مكانتها في السوق، ولكن الحقيقة قد يكون وراء هذا الغموض أسباب أعمق وأكثر تعقيدا كمحاولة إخفاء المشكلات الداخلية التي تتعلق بالإدارة أو الموارد المالية أو التهرب من المساءلة القانونية والتنظيمية أو حتى استغلال الغموض نفسه كأداة للتحكم في الموظفين والشركاء والعملاء، وفي كثير من الأحيان قد يصبح الغموض وسيلة للتلاعب بالصورة العامة للمؤسسة مما يجعلها تبدو أقوى وأكثر استقرارا مما هي عليه في الواقع، وقد يمنح هذا النهج المؤسسة مكاسب مؤقتة، ولكنه في المقابل يهدد بفقدان الثقة على المدى الطويل خاصة في ظل تزايد المطالب بالشفافية من قبل العملاء والجمهور الواعي، ومن المبررات والأسباب لهذا النهج
1 - التهرب من المساءلة القانونية
ويعني محاولة المؤسسة تجنب تحمل المسؤولية عن افعالها أو قراراتها التي قد تكون مخالفة للقوانين أو اللوائح التنظيمية، ويتم ذلك من خلال إخفاء المعلومات أو التلاعب بالبيانات أو التظاهر بالالتزام في حين أنها لا تلتزم فعليا ”كشركة ما تواجه أزمة مالية عميقه جعلتها غير قادرة على دفع الضرائب المستحقة للدولة، فبدلاً من الإفصاح عن ذلك او محاولة معالجة المشكلة بشكل قانوني تقوم بالتلاعب في تقاريرها المالية لتُظهر أرباحا أقل مما حققته فعليا بهدف تقليل المبلغ الواجب دفعه كضريبة وعندما يتم اكتشاف الامر لاحقا قد تواجه الشركة عقوبات مالية كبيرة بالإضافة إلى أضرار جسيمة لسمعتها“
2 - إخفاء الأزمات الداخلية
ويعني قيام المؤسسة بالتستر على المشكلات أو التحديات التي تواجهها داخليا سواء كانت هذه الازمات مالية أو إدارية أو تشغيلية أو متعلقة بالموارد البشرية، وذلك بهدف الحفاظ على صورتها أمام العملاء المستثمرين والشركاء أو حتى الموظفين ”كشركة تعاني من خسائر مالية كبيرة أو على مقربة من الإفلاس لكنها تستمر في إصدار البيانات لتوحي للغير بأنها في وضع مالي مستقر لتجنب هروب المستثمرين أو فقدان العملاء، أو حدوث نزاعات بين أعضاء الإدارة العليا أو ضعف القيادة، ولكن يتم تقديم صورة زائفة عن وجود تناغم إداري، أو لوجود معدلات استقالة مرتفعة بسبب بيئة العمل السيئة ويتم التعتيم عليها خوفا من الإضرار بالسمعة أو مواجهة المساءلة“ أو.. إلخ
3 - تجنب الضغوط الخارجية
ويعني قيام المؤسسات باتخاذ تدابير أو تبني ممارسات تهدف إلى تقليل تأثير التحديات أو المطالب التي تفرضها الأطراف الخارجية عليها مثل الحكومة أو المستثمرين أو العملاء أو وسائل الإعلام أو حتى المجتمع العام بغرض حماية المؤسسة من التدخلات أو الانتقادات التي قد تؤثر على سمعتها أو أدائها أو خططها الإستراتيجية مثل ضغط الجهات الرقابية الحكومية، أو ضغط العملاء والمجتمع، أو ضغط المستثمرين الذين يطالبون المؤسسة بتحقيق الأرباح أو تحسين أدائها المالي إلى ما هنالك
الخطوات العملية لتبني الشفافية وتجنب الغموض
قد يعتقد البعض أن تبني الشفافية أمر سهل أو خيار يمكن تأجيله ولكن في واقع المؤسسات الناجحة تُعد الشفافية ضرورة ملحة لتعزيز الثقة والاستدامة، وأساسا لا غنى عنه لخلق بيئة عمل فعالة وواضحة، ولتحقيق ذلك يتطلب الأمر مجموعة من الخطوات العملية الهامة وهي كالتالي:
1 - صياغة رؤية ورساله واضحة للمؤسسة
تُبرز أهمية الشفافية في العمل، ووضع سياسات وإجراءات مكتوبه تنظم سير العمل وتوضح معايير الأداء والتعامل مع الأطراف الداخلية والخارجية
2 - توفير قنوات تواصل مفتوحة بين القيادة والموظفين
مثل الاجتماعات الدورية ونشرات الاخبار الداخلية وتشجيع ثقافة الاستماع للملاحظات والشكاوى ومعالجتها بفعالية وسرعه
3 - تحديد المسؤوليات بوضوح
لكل موظف ومتابعة تنفيذها بموضوعية، وربط المكافآت والترقيات بإنجازات ملموسة ومعايير موضوعية
وأخيرا
تُعد الإدارة بين الغموض والشفافية فاصلاَ دقيقا بين النجاح الذي يستحق التقدير والفشل الذي يترك الندم والشفافية هي الحل، والاداة التي تصنع الثقة وتعزز الولاء بينما الغموض يستهلك الطاقات ويُطفئ حماس الافراد، والخيار بينهما هو انعكاس لرؤية القائد وطموحاته فإما أن يختار أن يكون نورا يُضئ الطريق أو غموضا يلقي بظلاله على كل شيء