لا ينبغي أن يتحول المنبر الحسيني إلى منبرٍ للشتائم والاستهزاء بالآخرين
في السابع من شهر صفر حلت علينا ذكرى شهادة سبط رسول الله ﷺ، وسيد شباب أهل الجنة، الإمام الحسن بن علي المجتبى
، أول أبناء السيدة فاطمة الزهراء
، وثاني أئمة أهل البيت عند أتباع مدرسة أهل البيت. وهي مناسبة تستدعي الوقوف عند سيرته العطرة، واستلهام قيمه السامية في الحلم، والكرم، والعفو، والإصلاح، والتقوى، والأخلاق الرفيعة.
لقد أثنى القرآن الكريم على أهل بيت النبوة بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: 33]. كما وصف سبحانه عباده الصالحين بقوله: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134]، وهي من أبرز الصفات التي تجلت في شخصية الإمام الحسن
.
إن الحديث عن الإمام الحسن المجتبى
لا يمكن أن يحيط بعظيم مقامه، فقد قال فيه جده رسول الله ﷺ: «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة»، وقال أيضًا: «الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا» بحسب ما ورد في مصادر مدرسة أهل البيت. وهذه النصوص تكشف جانبًا من منزلته العظيمة، وتدعو المؤمنين إلى الاقتداء بأخلاقه وسيرته، لا أن يقتصر إحياء ذكراه على المظاهر الشكلية.
لقد تعرض الإمام الحسن
إلى مظلومية كبيرة في حياته وبعد شهادته، فشُوِّهت سيرته عبر التاريخ، وحوربت مواقفه الإصلاحية، حتى أصبح الحديث عنه في كثير من الأحيان محدودًا، رغم أن سيرته تمثل مدرسة متكاملة في الحكمة والصبر والإصلاح الاجتماعي والسياسي.
ومن المؤسف أن تتحول بعض المجالس التي تُقام لإحياء ذكرى شهادته إلى منابر تُهدر فيها هذه الرسالة العظيمة، فيُستبدل الحديث عن أخلاق الإمام وفضائله بجدل شخصي أو سخرية من الآخرين أو تصفية حسابات لا تمت إلى أهداف المنبر الحسيني بصلة.
إن المنبر الحسيني لم يُقم ليكون وسيلة للتشهير أو الاستهزاء أو إثارة الأحقاد، وإنما هو منبر للهداية والإصلاح وبناء الإنسان. يقول الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125]، ويقول سبحانه: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83].
كما قال رسول الله ﷺ: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»، وقال أيضًا: «ليس المؤمن بالطعان، ولا اللعان، ولا الفاحش، ولا البذيء». وروي عن الإمام الحسن المجتبى
قوله: «خير الغنى غنى النفس»، وعُرف عنه حلمه وعفوه حتى مع من أساء إليه، فكان يقابل الإساءة بالإحسان، والجهل بالحلم، اقتداءً بجده رسول الله ﷺ.
ومن هنا فإن الخطيب الحسيني يحمل مسؤولية عظيمة، فهو ليس مجرد متحدث، بل مربٍّ وموجّه وصاحب رسالة. ومن يصعد هذا المنبر ينبغي أن يتحلى بالعلم، والحكمة، وسعة الصدر، وحسن الخلق، واحترام الرأي الآخر، وأن يدرك أن اختلاف الناس معه لا يبرر السخرية منهم أو الانتقاص من كرامتهم، فضلاً عن استخدام ألفاظ أو تصرفات لا تنسجم مع قدسية المنبر ومكانة أهل البيت
.
إن نقد الأفكار حق مشروع، لكنه يجب أن يكون بالحجة والبرهان، بعيدًا عن التجريح والإهانة، فالاختلاف لا يفسد للأخلاق قضية، وقد أمرنا الله تعالى بقوله: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8].
ومن هذا المنطلق، فإن مسؤولية الحفاظ على مكانة المنبر الحسيني مسؤولية مشتركة، تبدأ بمن يرشح الخطيب ويدعمه، وتمر بأصحاب المآتم والهيئات الذين تقع عليهم مسؤولية اختيار أصحاب الكفاءة العلمية والأخلاقية، ولا تنتهي عند الجمهور، الذي ينبغي أن يكون واعيًا، يميز بين الخطاب الهادف والخطاب الذي يسيء إلى رسالة المنبر الحسيني.
إن المنبر الحسيني مدرسة فكرية وأخلاقية وثقافية، وليس وسيلة لإثارة الانفعالات أو نشر الكراهية أو تصفية الحسابات الشخصية. فكل كلمة تُقال من فوق هذا المنبر تترك أثرًا في النفوس، وقد تكون سببًا في هداية إنسان أو في تنفيره، ولذلك كانت المسؤولية عظيمة.
فإننا نأمل من العلماء والخطباء وأصحاب المآتم وعقلاء المجتمع أن يراجعوا بجدية واقع الخطاب الحسيني، وأن يجعلوا معيار اختيار الخطيب هو العلم، والأمانة، وحسن الخلق، والقدرة على إيصال رسالة أهل البيت
كما أرادوها: رسالة رحمة، ووحدة، وإصلاح، وبناء للإنسان.
فإن المنبر الحسيني أمانةٌ عظيمة، وأمانته لا تُصان إلا إذا بقي منبرًا للقرآن الكريم، ولسنة رسول الله ﷺ، ولسيرة أهل بيته الأطهار
، يدعو إلى الله بالحكمة، ويغرس في النفوس مكارم الأخلاق، ويجمع القلوب على الحق، بعيدًا عن كل ما يثير الفرقة أو يسيء إلى رسالة الإسلام.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: 33].
وقال سبحانه: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34].
فما أحوج خطباء المنبر الحسيني، وكل من يتصدى لتوجيه الناس، إلى أن يجعلوا هاتين الآيتين منهجًا في الخطاب والدعوة؛ ليبقى المنبر منبرًا للهداية والإصلاح، كما أراده رسول الله ﷺ وأهل بيته الأطهار
.












