قصص العاشقين 56… «زهرة قريش»

زهرةٌ نبتت في ديار بني زهرة…

لكن شذاها كان ينتشر في أرجاء مكة.

الزيجات في جميع أنحاء العالم…

قد تغيّر بيتًا أو بيتين

أو عائلةً أو عائلتين

أو حتى قبيلةً وقبيلتين…

لكن زواجًا يغيّر الكون كله…

فهذا ما لم نجده من قبل، ولا من بعد.

دائمًا يقولون:

الزواج قسمةٌ ونصيب.

فالإنسان لا يعلم…

وربما يتعجب بعد سنواتٍ طويلة من زواجه:

كيف اختار الأهل هذا البيت دون غيره؟

وكيف تم تلاقي النسبان؟

وكيف قدر لهما حتى أصبح كلٌّ منهما نصيب الآخر؟

لكن هناك زواجًا…

لم يكن مجرد قسمةٍ ونصيب.

زواجٌ خُطِّط له في السماء… وفرح به أهل الأرض والسماء.

زواجٌ لم يجمع رجلًا بامرأة فحسب…

بل جمع نسبًا بنسب، وبيتًا ببيت، وشرفًا بشرف.

وكان وراء ذلك الزواج … أمرٌ لم تعرفه البشرية يومها.

أمرٌ كانت السماء تعرفه… قبل أن يعرفه أهل الأرض.

وهنا…

تبدأ الحكاية.

كانت قصة عبدالله بن عبدالمطلب هي أحسن القصص.

فأبوه عبدالمطلب لم يكن رجلًا عاديًا في قريش.

كان سيدًا من ساداتها، وصاحب مكانةٍ وهيبة، وكانت له في مكة منزلةٌ يعرفها القريب والبعيد…

فهو عبدالمطلب بن هاشم…

ذلك الرجل الذي اجتمع له من شرف النسب، ورفعة المكان، وسؤدد البيت، ما جعله من أبرزوجوه قريش.

وكانت لبني هاشم مكانةٌ رفيعة في قريش، بل في العرب جميعهم.

فهم من نسب يتصل بإبراهيم الخليل ويمتد عبر إسماعيل الذبيح عليهما السلام …

نسب وعائلة تعاقبت فيها بيوت التوحيد وحفظت فيهم ميراث الأنبياء والأوصياء جيلاً بعدجيل.

وكان لعبدالمطلب شأنٌ خاص في مكة،

إذ ارتبط اسمه بسقاية الحاج ورفادته،

وكان له من السيادة ما جعل بيته موضع احترام بين قريش، بل والعرب جميعاً.

وكان عبدالمطلب أبًا لأسرة كبيرة.

فقد كان له عشرة أبناء وست بنات.

ومن أبنائه:

العباس، وحمزة، وعبدالله، وأبو طالب، والزبير، والحارث، والمقوم، وضرار، وحجل، وأبو لهب.

ومن بناته:

أم حكيم، عاتكة، بره، أميمة، أروى، وصفية.

لكن عبدالله…

كان له في قلوب الناس شأنٌ آخر.

وكانت أم عبدالله ”فاطمة بنت عمرو بن عائذ المخزومية“.

فلم يكن عبدالله يحمل شرف بني هاشم من أبيه وحده.

بل اجتمع له شرف الأب وشرف الأم، فهو ابن عبدالمطلب الهاشمي وابن فاطمة بنت عمروالمخزومية.

وكان عبدالله شابًا جمع إلى شرف البيت جمال الخَلق، وحسن السيرة، حتى صار موضع رغبةلبيوتٍ كثيرة من بيوت قريش.

وكانت الأسر والوجهاء يتمنون أن تكون لهم مصاهرة مع عبدالمطلب…

وكان عبدالله تحديدًا موضع رغبةٍ كبيرة…

لكن… لماذا عبدالله تحديداً دون سائر إخوته؟

لماذا هو بالذات… كانت البيوت تتمنى أن يكون واحداً منها؟

وفي مكة… كان هناك بيتٌ آخر له من الشرف ما له… بيت وهب بن عبد مناف.

فوهب لم يكن رجلًا مجهولًا في قومه، بل كان من بني زهرة… ذلك البطن القرشي المعروفبمكانته وشرفه.

وكان من أهل السيادة في قومه.

وفي هذا البيت نشأت آمنة بنت وهب.

ولم تكن آمنة يومها مجرد ابنةٍ لوهب بن عبد مناف…

كانت ابنة بيتٍ عريق، وأصل كريم، ونسب له مكانته بين العرب.

فأبوها وهب بن عبد مناف بن زهرة، وأمها بَرّة بنت عبدالعزى من بني عبد الدار.

فاجتمع لآمنة شرف الأب وشرف الأم، واجتمع في نسبها من المكانة والكرامة ما جعلها جديرةًبذلك الزواج العظيم.

بل إن نسبها من جهة أبيها يلتقي بنسب عبدالله عند كلاب بن مرة.

عبدالله من بني هاشم…

وآمنة من بني زهرة…

فرعان من شجرة واحدة، افترقا عبر الآباء والأجيال، ثم شاء الله أن يلتقيا من جديد…

في عبدالله وآمنة.

وكأن في شجرة النسب موعدًا قديمًا، لم يكن أحدٌ يعرف متى يحين… ولا لماذا.

وكان للنبي من جهة أبيه صلةٌ أخرى ببطن عريق من العرب...

بنو النجار.

فهم أخواله من جهة أبيه عبدالله… إذ كانت أم عبدالمطلب من بني النجار.

وهكذا…

كان في نسب محمد من جهة أمه بنو زهرة، ومن جهة أبيه بنو النجار.

بيتٌ من هنا… وبيتٌ من هناك…

وكلاهما من بيوت العرب التي عُرفت بالشرف والمكانة.

ثم جاء اليوم الذي التقى فيه البيتان.

فتذكر الرواية أن عبدالمطلب أخذ ابنه عبدالله، وقصد به وهيب بن عبد مناف بن زهرة، وخطبله آمنة بنت وهب، فتم الزواج بينهما.

ولم يكن ذلك المجلس شاهدًا على زواج عبدالله وآمنة وحدهما…

فقد ذكرت الرواية أن عبدالمطلب تزوج في المجلس نفسه هالة بنت وهيب بن عبد مناف.

وهكذا…

تزوج عبدالمطلب هالة…

وتزوج ابنه عبدالله آمنة…

فاجتمعت المصاهرة بين البيتين الكريمين من جهتين.

وكانت هالة، بحسب هذه الرواية، أخت وهيب… عمة آمنة بنت وهب.

ثم ولدت هالة لعبدالمطلب حمزة بن عبدالمطلب.

فكان حمزة عم رسول الله في النسب، وأخاه من الرضاعة… حسب بعض الروايات.

وكان ذلك بداية تشابك عجيب بين بيوتٍ ستصبح لها في تاريخ الإسلام مكانةٌ لا تنسى.

فاجتمع بنو هاشم وبنو زهرة، واجتمع نسبان يلتقيان في كلاب بن مرة، واجتمع في بيتٍ واحدشرف الأب وشرف الأم…

وكأن ذلك المجلس لم يجمع زوجين فقط…

ثم…

كان هناك أمرٌ آخر لم يكن يعرفه أحد.

أتذكرون ذلك السؤال؟

لماذا عبدالله تحديدًا؟

لماذا كان موضع رغبة تلك البيوت؟

كان الناس يرون في وجهه شيئًا لا يرونه في سائر الوجوه…

وكانت بعض الروايات تصف ذلك بأنه نور…

نورٌ جعل عبدالله موضع نظرٍ ورغبة، حتى إن النساء كانوا يتطلعون إلى الزواج منه.

لكن القصة لم تكن قصة نور يبحث عن زوجة…

بل قصة زوجةٍ شاء الله أن يكون لها من هذا الزواج أمرٌ لا يشبه كل الزيجات.

وهنا…

تبدأ الحكاية الحقيقية لآمنة.

فما الذي حدث عندما دخل عبدالله بيتها؟

وماذا رأت آمنة؟

وماذا حدث لذلك النور الذي كان في وجهه؟

وإلى أين كان يمضي؟؟؟

سنمضي معه… حتى نراه، في الحكاية التالية.

كاتب قصص قصيرة