ممكن تفسير رؤيا ؟!

 

 

يطرح هذا السؤال مراراً، ولا يخفى على الجميع أن قصب السبق في هذا المضمار من نصيب النساء، فما يحلمون به ليلاً يذيعونه نهاراً على كل من هب ودب، لذلك ورد النهي عن إذاعة بعض الأحلام لأي أحد، وما كل ما يعلم يقال، فقد تنقلب المنفعة إلى مضرة، ولهذا ورد النهي من يعقوب النبي لابنه يوسف : " لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا "، عجيبة هي قصة يوسف وردت فيها ثلاث رؤى : ليوسف نفسه، ولصاحبي السجن، وللملك، وكلا الأخيرين طلبوا تفسير الرؤيا، بينما النبي يوسف الصديق هو من فسر رؤياه " هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا "..

في الآونة الأخيرة انتشرت في الفضائيات العربية برامج تفسير الأحلام، وكلاً يهوى التنافس من أجل جذب أكبر حصة من المتابعين، فتفاقمت هذه المشكلة لدرجة الهوس خصوصاً لدى الفتيات والنساء، فقلما تجد فتاة ليس بجانب فراشها كتاب " تفسير الأحلام"، لقد انتهت اهتماماتنا في الواقع وانطلقنا لسرد الأحلام وكشف رموزها، أصبح تأويل الرؤيا تجارة يطلبها الكثير، خصوصاً إذا كان ذلك المنام غريباً وفيه شيء من العجب، وقد يكون مجرد " أضغاث أحلام " من صنع الشيطان أو أحاديث النفس، فأحدهم يرى نفسه : " عطشاناَ، أو يتصبب عرقاً، أو بحاجة إلى بيت الخلاء، أو..."، فتراه يتساءل ماذا يعني ذلك؟!

البعض من الفتيات يغريها هذا الكتاب فتطلب سرد أحلام من حولها لتفسر لهم، والبعض منهن تنزعج لكون أن الرؤيا أفلتت منها، فتعود للفراش تغطي رأسها علها ترجع، ولربما تنام مرة ثانية وثالثة، فقد تشاهد فارس الأحلام، أو بشارة على نجاح أو دلالة لتحقق الأمنية التي تجوس في خاطرها، الدثار والفراش لا يحل المشاكل، إنما بالعمل والتعقل والبركة تحل بالحركة الواعية، لذا جاء الأمر : (يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ  * قُمْ فَأَنذِرْ)..

المنبر ساهم في كثير من ثقافاتنا المحلية، وللخطباء دور في تكوين هذه الثقافات، فحينما يكون المجلس عن (حبيب بن مظاهر)، لا يقص شريط الافتتاح إلا من خلال قصة الرؤيا التي شاهدتها زوجته: " أن فاطمة الزهراء تقول لها قولي لزوجك أن يخضب لحيته !! "، فتنقلنا أحداث المغامرة إلى السوق ليشتري " الحناء" والقصة معروفة، ثم ينفك سحر اللغز وتنكشف رمزيته بأن الخضاب يقصد منه " الدم والشهادة بين يدي الحسين "..

كثير من الخطباء يعرفون نقاط الضعف والجذب للجماهير، ولعل رواية الحكاية بطريقة ميتافيزيقية غيبية ترضي نهم المستمع، كسرد حكاية من طراز " ألف ليلة وليلة " لتلهب الجماهير، لهذا ينساق الخطيب – أحياناً دون وعي - للآثار السلبية فينمي في شريحة كبيرة من الناس ثقافات باهته المذاق، هذا اللون متوفر بصورة كبيرة في السيرة الحسينية،  فرؤيا الحسين : " القوم يسيرون والمنايا تسرع بهم "، ومسلم يشاهد علياً ويخبره بدنو أجله، وذات الحكاية مع الحسين على قبر جده، ولا تجد بطلاً من أبطال الطف إلا وله حكاية مع الأحلام والرؤى، فضلاً عن القصص التي تذبحنا من كثرة المنامات المتغلغلة فيها، حتى أن الغريم يظن أننا لا نملك غير الأحلام المصطنعة !!، السيرة الحسينية قوية بما فيها من قيم وخلق ومبادئ وإنسانية وفكر عميق، فنحن لا نحتاج لخطاب ركيك متهالك من أجل جذب  الجماهير !!