الأمريكي توم

 

 في مدينة أمريكا الكبيرة ذات المباني الشاهقة ، صاحبة التطور ، صاحبة تمثال الحرية ، الذي يرفع يده إلى الأعلى ، وكأنه يقول:  أمريكا حرة للأبد ، ينظر إلى التمثال كل يوم طفل صغير يدعى توم ، ويقول:
هل أمريكا حقا حرة ليوضع في ترابها تمثال الحرية ؟ ! . ، أنا لا أعتقد ذلك مطلقا .

الصغير توم في الرابعة عشر من عمره ، يعيش في أمريكا ، وتحديدا مدينة نيويورك ، ليس مسلما ، وهو وحيد أسرته فلا يوجد لديه إخوة ولا أخوات ، طفل بريء يضحك بعفوية ، شعره أشقر ، عيناه عسليتان ، بشرته بيضاء ، مؤدب جدا ، جميل المنظر ..

في صباح هذا اليوم ، وكعادته ، يستيقظ توم مبكرا ، وينظر من نافذته إلى التمثال ، ويردد ذات الكلمات ، هل أمريكا حقا تمتلك الحرية ... ؟ ! .

الأب: يا صغيري ، اخرج من غرفتك لنتناول الفطور ، نحن ننتظرك ، اخرج ، سأضع برنامجك المفضل ، ونشاهده سويا .

والد توم يدعى بيتر آب ، حنون ، يناغي توم ويدلله دائما ، كا أنه كان نحيفا ، متوسط الطول ، شعره أشقر ، عيناه عسليتان ، بشرته بيضاء مشابها إلى حد كبير توم ، غني .. .
توم: حسنا ، حسنا ، أنا قادم يا أبي .

قدمت الأم طعام الإفطار ، حيث جلس الجميع على المائدة .
قالت الأم: تفضلوا ، الإفطار شهي .

والدت توم ندعى إيزابيل ، شعرها بني اللون ، عيناها زرقاوتان ، متوسطة الطول ، بشرتها حنطية اللون ، كانت لطيفة جدا ، كما أنها تتميز بإعداد طعام ذو طعم رائع المذاق .

قام الأب بتغيير القناة باحثا عن برنامج توم المفضل ، وفجأة توقف عندها ، إنها قناة عربية تبث صلاة المسلمين في مكة المكرمة ، فرأى توم أناس لم يعرفهم من قبل ، بعضهم يصلي ، وبعضهم يقرأ في خشوع كتابا ف شه بين يديه ، وبعضهم رافعا كفيه ينادي والدموع تتقاطر فوق وجنتيه ، استغرب توم مما يرى ، وانتابته قشعريرة تسربت في كل جسده .

قال توم لأبيه وعلى وجهه علامات الإستغراب متسائلا:
أبي ، لما هؤلاء يقفون هكذا ، ويقولون كلاما لم أسمعه يوما ، ولم يقرؤون ذلك الكتاب ، ولما يبكون لما  ؟ ! .

الأب: لا تهتم يا صغيري توم ، إن هؤلاء لا عقل لهم ، يزعمون أن لديهم دين سماوي يسمى الإسلام ، وهو الذي يأمرهم أن يتوجهوا لهذا المجسم الذي يسمون الكعبة ، المطرزة بالسواد كما ترى ، وينادون جميعهم ، الله أكبر بغرض الصلاة ، إنهم خرافيون ، فهل يعقل أن يعبد إله لا يرى ، العقل يرفض ذلك يا صغيري ، والطبيعة لا تتفق مع هذا الإدعاء ، إنه لمضحك ما هم فيه لحد الجنون ، إنهم يعتقدون بأن الإله الذي يعبدون قد أنزل عن طريق الوحي على شخص يدعى محمد هذا الكتاب الذي تراه ، وهو القرآن ، لا تهتم يا صغيري توم بهذه الترهات ، فهي لا تستحق منك هذا الاهتمام .

توم: أنا لا أظن هذا مطلقا ، أعتقد بأن هناك سر كامن وراء ذلك .

الأب وعلى وجهه سمات الدهشة ، ماذا تقول ؟ ! . ، دعك من هذا وتناول إفطارك ، أدار الأب القناة واضعا برنامج توم المفضل .
توم يحدق دون وعي ، تنتابه الحيرة من هؤلاء .

الأب: توم ، توم ، توم ألا تسمعني .

توم: نعم ، نعم أسمعك يا أبي .

الأب: تناول إفطارك يا صغير ، ما بك هذا الصباح ، أنت لست على ما يرام .

يتناول توم إفطاره شارد الذهن ، يردد في ذاته: يجب أن أعرف السر .. ، إن ما شعرت به ليس أمرا طبيعيا .. .

يتجه توم إلى غرفته ، تاركا إفطاره ، وهو يتمتم بصوت خافت ، نحن لدينا كنائس ، وهم لديهم الكعبة ، لحظة تفكر ، نحن نعبد ما نراه ، وهم يعبدون ما لا يرى ، يأخذ جهازه المحمول ، يدخل على جوجل ، يكتب القرآن الكريم ، نعم ، موقع القرآن الكريم ، هذا رائع ، إنه متشوق ليسمع ، نقر على على خانة الاستماع ، ارتعش جسده ، هام فكره ، نشوة غريبة ، توقف فجأة ، ماذا يحدث ، جسدي يرتعش ، فكري هائم ، ماذا حدث لي فجأة ، إنه لسحر ، أجل سحر ، يغمض عينيه حيث الغياب . صوت لم يألفه ينادي عليه: توم ، توم ، توم ابحث عني تجدني في كل مكان ، في السهول ، في الجبال ، في البر ، في البحر ، أنا أراك ، أنا أراقبك ، أنا لن أتركك ، أنا خالقك ، أنا أقرب إليك من حبل الوريد ، ابحث عني ستجدني ، حتما ، حتما ، حتما ابحث عني ..

توم وعينيه مغرقتان بالدموع: من أنت ؟ ! ، أنا لا أعرفك ؟ ! ، كيف تراقبني ؟ ! ، كيف أنت أقرب لدي من حبل الوريد ؟ ! .
يفتح توم عينيه قائلا:

ربما أغمي علي ، من الذي كلمني ، أكنت أحلم ، طلب أن أبحث عنه ، تشرق ابتسامة عريضة من شفتيه ، حسنا ، سأبحث عنك ، سأبحث .. ، حقا إنه متفائل .

وبعد مرور الأيام قرر توم البحث عن الحقيقة ، وحدد هدفه .
قال توم: يجب أن أعرف  أولا: من هو خالقي ؟ ، ثانيا: من أين جئت ؟ ، ثالثا: ما هو الهدف من الحياة ؟ . توم دون هذه الأسئلة في دفتر ملاحظاته ، أخذ كتبه وتوجه لمدرسته ، وفي طريقه مر على الكنيسة ، فقال: أيتها الكنيسة ستكونين مجرد محطة عابرة في حياتي ، أكمل طريقه ، وصل إلى المدرسة ، جلس على مقعدة بينما الطلاب في فوضى ، دخل المعلم يطلب من الطلاب الهدوء ليشرح الدرس .

معلم توم يدعى هنري ، بشرته سمراء قليلا ، عينه سوداء ، سريع الغضب ، طويل القامة ، سمين بعض الشيء ، يهابه الطلاب ، فلا يعارضه أحد ، كما لو أنه ماهر غي الكارتيه .

قال المعالم: السهول ، والجبال ، والهضاب ، والبحار ، الكرة الأرضية وجدت صدفة ، فقد أكد العلماء بأن الكون خلق نفسه بنفسه ولا توجد غاية ولا هدف من وجوده ، وكل الأشياء وجدت فيه بشكل عشوائي .

لحظة صمت ، سكت الجميع من في الفصل ، لم يتكلم أحد ، أما توم فقد كانت كلمات المعلم تجول في رأسه ، لم يقتنع ، أيكون هذا الكون بتنظيمه المتناسق وجد صدفة ، عبثا ، هذا لا يصدق ، وقف توم معترضا لأول مرة .

قال توم: أيها المعلم ، أنا لا أعتقد بصحة ما تقول .
قال المعلم: أتكذب معلمك يا توم ، أتعارضني ، أنا أقول الحقيقة ، أتفهم يا توم ؟ .

قال توم منتفضا: نعم أعارضك ، أيعقل أن يكون الوجود كله صدفة ، أهذه الكواكب ، والجبال ، والشمس ، والقمر ، ووو ، التي تسير بانتظام دون خلل أو تصادم وجدت صدفة ، هل عقلك يقبل بهذا ؟ ! .

قال المعلم: هل تتطاول على معلمك أيها الصغير ، من هو الخالق الذي تتكلم عنه ؟ !

قال توم: أنا آسف ، لكنها الحقيقة يا معلمي ، إن الكون له خالق أنت وأنا نجهله .

قال المعلم ساخرا: ابحث عنه ثم أخبرني إن توصلت إليه ، أيها الأحمق .

نظر توم مقضبا حاجبيه إلى معلمه ، وقال: سأبحث عن الحقيقة ، وسأغلق فمك ، وسترى .. .

ضحك كا من في الفصل ، وقالوا: أنت متخلف يا توم ، غبي ، مجنون ، معتوه .. ، ردد توم في نفسه: سنرى من المنتصر ، أنا أو أنتم ، استمروا في السخرية منه ، ففقد توم أعصابه ، وضرب أحد زملائه ضربة عنيفة ، فسال الدم من وجهه ، نظر إلى يده وبقايا من الدم يعلوها ، فلام نفسه: ماذا فعلت أيها المجنون توم ؟ ! .

أسرع المعلم إلى الطالب ، والغضب يتطاير من عينيه وهو يحدق ناحية توم قائلا: سأشكوك إلى المدير أيها الجنون .
مدير المدرسة رجل قصير ، سمين يدعى جون ، إنه شديد جدا في تعامله مع الطلاب ، كان يضرب المتخلفين ضرب مبرحا ، عنيفا بالسوط ، إنه دائم الغضب ، والابتسامة لا ترسو في موانئ شفتيه إلا قليلا ، كان أسود اللون مما جعل الطلاب يخافونه أكثر .
هرب توم من الفصل مسرعا ، وهو يصر: يا توم ماذا فعلت ؟ ، حتما ستلاقي عقابا شديدا .

إنه يعلم ما هو عقابه إن أمسك به المدير جون ، لأنه ارتكب مشكلتين هما: تطاوله على المعلم ، وضرب الطالب الذي نزف دما ، إن وقع في قبضة المدير فسوف يضربه ضربا شديدا ، حينها لن يستطيع المشي من شدة التعذيب ، إن المدير قلبه قاسي لا يعرف الرحمة .

توم يركض هاربا من الفصل ويتعثر ، يرفع رأسه فيرى الرجل الأسود يحدق بغضب .

يصرخ توم: المدير !.

وأخذ يستمر في الركض حيث أن المعلم هنري كان يلحق به .
صاح المعلم: أيها المدير إنه متخلف ..

يسرع المدير نحو توم ويمسكه ويقول: سترى عذابي ، أيها الصغير .

سأل المدير المعلم: ما الذنب الذي اقترفه هذا الفتى ؟ .
قال المعلم: التطاول على المعلم ، وضرب أحد زملائه مما أدى إلى خروج الدم منه .

قال المدير: سيكون مصيرك ما فعلته ، إن زميلك يرقد في المشفى من شدة الجرح الذي سببته له ، وأخذ يضحك بصبغة شيطانية تتوعد بالشر .

ترى ماذا سيحل بتوم الذي أعلن بشفتيه الحقيقة ولم يخضع للكذب المفترى ، وهل سوف تنقذه الرحمة الإلهية ؟ .

كاتبة