في خبر كان !!

 

 

قلّة هم المدراء الذين يسعون لتعزيز " قانون الإرتباط " مع مرؤوسيهم في بيئة العمل، لأن الغالبية العظمى منهم يؤمنون بأنه يجب أن تترك مسافة تنظيمية وإجتماعية بينك كمدير وبين التابعين لك لئلا تصبح في " خبر كان " على حد زعمهم، وحتى لا يتم استغلالك وتذهب هيبتك، وتذوب سلطتك، وتنصهر مكانتك، وهؤلاء مع كل أسف وإن تمكنوا من تحقيق سلطة إدارية منضبطة، إلاّ أنه من غير اليسير عليهم بناء علاقات مهنية وإنسانية تعتمد على عنصري المودة والثقة، لأن الأساس الذي تقوم عليه إدارتهم ينحصر في " خط الإتصال النازل " ذو الإتجاه الواحد أو بمعنى آخر إسلوب الإدارة القسرية، وهيبة المركز، ليس إلاّ. 

هؤلاء المدراء لا يعرفون أو لا يرغبون في المعرفة بشأن كل ما يتعلق بخارج إطار العلاقة المهنية للموظفين الذين تحت رعايتهم، لأن تركيزهم ينصب أولاً وآخيراً على الأداء والإنتاجية بعيداّ عن الجوانب الإنسانية التي لا تعني لهم أي شيء ولا يُقيمون لها وزناً في حساباتهم الإدارية، لأن كل ما يهمهم هو أن يكونوا حسب المقاسات التي ينتجها تفكيرهم الإداري أو القيادي، وهم بهذا السلوك الشائك إنما يورطون الإدارة العليا في جهازهم قبل أنفسهم في إشاعة جوٍ من التوتر والريبة وغياب الثقة المتبادلة، والعمل تحت وطأة القهر والإلزام.
 
إنهم حتماً لا يدركون الغربة التي هم فيها، لأنهم بعيدون كل البعد عن الأحداث التي تتفاعل في الباطن، ولا يشغلهم إلاّ ما هو ظاهر على السطح في أحسن الأحوال، وعندما تنفصل علاقتهم الحقيقية بموقع الأحداث على هذا النحو المتأصل فيهم، تنفصل تبعاً لذلك علاقتهم الحقيقية بموظفيهم وبعملائهم " المراجعين او الجمهور" الذين يمثلون مصدراً ثرياً لفرص التحسين، وللتطوير والتحديث.

هذا البرج العاجي الذي يحصروا أنفسهم فيه بإرادة وإصرار يُسهم دون وعي منهم في توسيع الهوّة بينهم وبين البيئة الإجتماعية من حولهم، ولهذا وإن كانت أوامرهم مُطاعة فإنها بالتأكيد ليست متينة ولا راسخة، بل إنها تتعرض للإهتزاز الشديد عند غياب تلك السلطة الجافة تحت شعار" غاب القط إلعب يا فار " وهذه مُصيبة كُبرى في مسألة ديمومة الولاء الوظيفي بشكل أو بآخر.

من المفيد هنا أن نتذكر ما حدث في اليابان بعد الحرب العالمية الثانية لأنه يُعتبر معجزة يجب أن نستفيد منها، هذه المعجزة كان من مقوماتها الكُفر باللاّمبالاة، والإحساس بالمسؤولية، والثورة الإدارية الغير عادية، وهم آباء الأساليب الإدارية الحديثة، لأنهم خلعوا رداء الهيبة، وتدثروا ببردة الإنسانية بجانب الإصرار والتحدي للنهوض من تحت الركام، والإيمان الراسخ بأن الآلة لوحدها لا يمكنها أن تصنع حضارة أو توحِّد الإرادات، ولهذا تمكنوا من غزوا العالم بأساليبهم الإدارية، وبمنتجاتهم التي يضيق المجال لحصرها، وأصبحوا قبلةً للطامعين في التميز والإبتكار.

إنّ الإعتماد على التقارير الدورية بمفردها لقياس مستوى الأداء والإنتاجية، ومؤشراً لمدى التلاحم الإنساني في بيئة العمل لهو سقطة فاضحة في الإدارة ونحن في العقد الثاني من الألفية الثالثة، كما أن استحسان العزلة الإدارية بحجة أن " المدير أو القيادي " يجب أن يمضي معظم وقته في التخطيط، وليس بحاجة للمهارات الإنسانية كالتنفيذيين من دونه، يمثل إنسلاخاً خطيراً من بيئة العمل وهروباً مُستتراً من مسرح الأحداث، وهذا مالا ينبغي الإيمان به في عصر الإنسان.

 تحيّاتي. 

 

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 2
1
فائق المرهون
[ القطيف - أم الحمام ]: 30 / 8 / 2012م - 9:06 م
الأستاذ ابراهيم / وفقه الله
عودا حميدا و جميلا لبيتك ، بيتنا جميعا ، شبكة أم الحمام و لقراءك و محبيك وهم بحق كثر .
محاولاتك الرائعة في ضخ الديمومة الإنسانية للعمل الإداري ، هو محل أكثر إلحاحا في عالم اليوم ، و ينبغي تفعيله بشتى الوسائل .
أحمد الباري إني وجدت في الإدارة من هم من هذا النوع .
الكتابة و الثقافة فن ، و أنت أجدت هذا الفن .
2
ابراهيم علي الشيخ
1 / 9 / 2012م - 1:41 م
أخي الرائع : فائق المرهون
أشاطرك المشاعر بأن هذه الشبكة هذ بيتنا جميعاً والجسر المتين الذي يساهم في تواصلنا مع بعضنا على شاطئ الوعي ، وأهنيك بأن الله هيأ لك من يحوز الحس الإنساني
فمثلك لا يستحق غير ذلك ..
سموت في الآفاق ..
إستشاري سلوك وتطوير موارد بشرية