بكم تبيعون يوسف !!

 

 

 

حديثي لن يكون عن نبي الله يوسف عليه السلام وقصته التي عبر عنها القرآن بأحسن القصص، ولا عن مسلسل يوسف الصديق الذي أجد من الجميل – ونحن بساحة الجمال اليوسفي – أن نشيد به، وهو مسلسل يتناول قصة نبي الله يوسف عليه السلام أنتجته دوائر الفن الإيرانية موظفة الكثير من الطاقات والإمكانيات البشرية والمادية حيث استطاع المسلسل اجتذاب الكثير من المشاهدين، كما استطاع تقريب القصة بأحداثها وعبرها ودلالاتها العميقة للمشاهد. وكم نتمنى – وما نيل المطالب بالتمني - أن يستفيد المعنيون بالفن في بلادنا العربية من هذه التجربة ويستدركوا ما فاتهم لينتجوا مسلسلات وأفلام تحترم المشاهد عقلا وسمعا وبصرا بدلا من هذا الغثاء المتراكم والزبد الذي لا ينفع الناس.

حديثي سيكون عن يوسف الرمز، يوسف الجمال الذي لم يتلوث أبدا رغم كل الظروف الصعبة والامتحانات القاسية والأجواء الملبدة بدخان الحسد والشهوة والسلطة، وهنا يأتي السؤال: ماذا فعلنا نحن بيوسف الذي يعيش فينا وبيننا، هل حافظنا عليه من كل الملوثات النفسية والاجتماعية، هل قدرناه حق قدره، أم أننا بعناه بثمن بخس دراهم معدودة؟!

فعقلنا يوسف، فهل قمنا بالفعل بتنمية قدراته واستثمار موارده، أم أننا لا نستخدمه إلا في حل الفوازير والكلمات المتقاطعة؟ هل لدينا أجهزة فلترة صالحة يمر بها كل ما يراد له الدخول إلى عقولنا؟ هل لدينا آذان واعية أم آذان تلتقط كل الذبذبات في الفضاء المشحون؟ هل نفكر في طعام عقولنا كما نفكر في طعام بطوننا؟ كم تبلغ نسبة ميزانية العقل إلى ميزانية البطن لدى كل واحد منا؟

عن محمد بن الحسين، عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن يعقوب بن يزيد، عن زيد الشحام، عن أبي جعفر (عليه السلام)، في قول الله تعالى ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ قال: قلت ما طعامه؟ قال: علمه الذي يأخذه ممن يأخذه.

وروحنا يوسف، فهل بذلنا من الجهد ما يكفي لصيانتها وتنقيتها كي نضع عنها الإصر والأغلال التي تمنعها من التحليق في عالم الملكوت، أم أننا حبسناها في سجن المادة ونسيناها كما نسي الساقي يوسف ولم يذكره إلا بعد أمة؟

والحرية يوسف، والكرامة يوسف، والعزة يوسف، وكل القيم الجميلة يوسف، فهل نقدرها حق قدرها، وندافع عنها بالغالي والنفيس، أم أننا نبيع حريتنا وكرامتنا وعزتنا بدراهم معدودة ونحن فيها من الزاهدين؟!

واختصارا نقول: إن النفس يوسف، أما ثمنها فهو كما يقول أمير المؤمنين عليه السلام: ألا إنه ليس لأنفسكم ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها إلا بها.

هذا عن يوسفنا، أما يوسف الذي بيننا فنعني به ما يمتلكه الآخرون من حولنا من جماليات يوسفية، كالذكاء والموهبة والعلم وسائر القيم الأخلاقية من صدق وأمانة وإخلاص وصبر وغيرها، فهل قمنا بما يجب تجاهها، أم أننا أهملنا جماليات أولادنا وبناتنا وأزواجنا وزوجاتنا وأصدقائنا وأعدائنا؟
هل يحاول الأب أو المعلم أن يكتشف يوسف في ابنه أو في تلميذه؟ أم أننا نقتل يوسف فيهم أو نبيعه بأبخس الأثمان؟! ونفس السؤال يرد في كل من تربطنا بهم علاقة ما.

أسئلة تستحق منا أن نواجهها بكل شجاعة، فجميل أن نقرأ قصة يوسف أو نشاهد مسلسل يوسف الصديق والأجمل أن نأخذ العبر ونستلهم الدروس.

شاعر وأديب