أين المثقفون؟

 

 

 


" المجتمع الذكوري العربي، والمؤسسة الرسمية المستبدة، والثقافة الرسمية السائدة، المسلحة بشتى أسلحة الدمار الإعلامي الشامل. من دون أن ننسى تحول شريحة المثقفين العرب تدريجيا، إلى طبقة لها ملامح الطبقات الانتهازية، نهازة الفرص والمواقف والوقائع الموضوعية، تماما مثل تجار الحروب الذين يجدون في موت ملايين البشر سلالم للصعود إلى أعلى قمة الهرم الاقتصادي، بما يعنيه ذلك من قوة ونفوذ وسلطة وهيمنة." الكاتب يوسف ضمرة في مقاله: غياب المهمشين في الكتابة الجديدة.

لا يزال مفهوم المثقف لدينا مفهوما غير محدد الدلالة، خصوصا عند عامة الناس. فهو مفهوم ملتبس يتسع أحيانا ليصبح غير مانع من دخول أحد تحته، ويضيق أحيانا ليكون غير جامع حتى لأفراده الأقربين وعشيرته الأدنين.

وحتى لا ندخل في تيه صحراء المصطلحات، فإننا سنحدد ما نعنيه بالمثقف. المثقف هنا هو كل من يعمل على إنتاج المعرفة والفكر من كتاب ومفكرين وفلاسفة وأدباء وفنانين. وهؤلاء لهم الدور الأكبر في كل مجتمع تقدما وتأخرا، وذلك وفقا للدور الذي يختارونه لأنفسهم، تبريريا أو تمريريا أو تنويريا.
 
ويعكس كل واحد من هذه الأدوار موقفا معينا من الثقافة السائدة ومنتجاتها وإفرازاتها السلطوية، سياسية أو دينية أو اجتماعية أو اقتصادية.

أما الثقافة التي تستحق اسمها – كما يقول جاد الكريم الجباعي - فإنها "تقوم على ركنين أساسيين: تساوي البشر في الكرامة الإنسانية، على الصعيد العالمي، وتساوي المواطنين، والمواطنات بالطبع، في الحقوق والواجبات وفي الكرامة الوطنية، على الصعيد الوطني. ومن الثابت أن الأولى أساس الثانية. المساواة، بهذا المعنى هي الصيغة العملية للعدالة، وليس من ضمانة واقعية وأخلاقية لهذه وتلك سوى الحرية بما هي "السم المضاد" للتطرف في المساواة على نحو يطمس الحدود والفروق وينفي الاختلاف أو يحاول السيطرة عليه."

نشهد – وللأسف الشديد – تراجعا للثقافة والمثقف بهذا المعنى، برغم البشارات التي حملها معه موسم الربيع العربي، إذ سرعان ما تراجع خطاب المواطنة والإنسانية لصالح الخطاب الاستئصالي الموتور الضيق الأفق الذي لا يرى إلا نفسه محورا للحق والحقيقة، أو الخطاب الآخر الذي يصر على نزع تاريخ انتهاء صلاحية الواقع الراهن ليبقيه صالحا للاستهلاك إلى ما لا نهاية.

ألم نحلم في بداية الربيع العربي بقرب قيام دولة الحقوق والمؤسسات وسيادة القانون؟ ألم نحلم بخروج الخطاب الديني من مساجلاته البينية العقيمة إلى الآفاق الإنسانية الأرحب حيث التركيز على مقاصد الشريعة وروحها السامية؟

لماذا تراجع ذلك الآن، وانقسم المثقف على ذاته، يناصر الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان في مكان ما، ويقف ضدها في مكان آخر، بل في مجتمعه هو؟
لماذا تبددت آمالنا في الكثير من المثقفين ذوي الأسماء اللامعة، إذ رأيناهم لا يختلفون عن المتعصبين والمتزمتين وأنصار الاستئصال شيئا؟

بل هم في الواقع أسوأ من أولئك لأنهم يدعون الانفتاح والتواصل وقبول الآخر، ولكنهم يمارسون أو يستمرئون الانغلاق والقطيعة ونفي المختلف.

أما الجواب على هذه الأسئلة فيمكن تلخيصه بعجز المثقف العربي – إلا ما ندر – عن التمرد والخروج من جلابيب آبائه الاجتماعيين أو السياسيين أو الثقافيين أو غيرهم، إما استجابة للإغراءات أو التهديدات، أو خوفا من قفزة فيليكسية تطيح بالكثير من منظوماته الفكرية العتيقة.

المغامرون قليلون، ولكنهم هم من يطرقون الأبواب الموصدة ليكتشفوا ما وراءها، حتى وإن كلفهم ذلك حياتهم. هذا ما قام به المثقفون الحقيقيون في الغرب حتى تمكنوا من الانتقال إلى عصر التنوير.

شاعر وأديب