عالمٌ رحل جسدًا… وبقي فكرًا وأثرًا

في الذكرى السادسة والعشرين لرحيل العلامة الشيخ عبداللطيف الشبيب

قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب :

«يا كميل بن زياد، معرفةُ العلم دينٌ يُدان به، به يكسب الإنسان الطاعة في حياته، وجميل الأحدوثة بعد وفاته، والعلم حاكم، والمال محكوم عليه.

يا كميل، هلك خزّان الأموال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر؛ أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة».

في يوم الثلاثاء، الموافق الخامس والعشرين من شهر ربيع الثاني عام 1422 هـ، انتقل إلى رحمة الله تعالى العالم الرسالي سماحة الشيخ عبداللطيف الشبيب، رحمه الله.

كان خبر رحيله صادمًا لمحبيه وعارفي فضله؛ فقد غادر الدنيا وهو لا يزال في ربيع العمر، وفي ذروة عطائه العلمي والفكري، يحمل مشروعًا ثقافيًا، وفكرًا متجددًا، وهمًّا رساليًا كان يمكن أن يثمر الكثير لو امتد به العمر.

لكن بعض الأعمار لا تُقاس بعدد سنواتها، وإنما بما تتركه وراءها من أثر، وما تغرسه من أفكار، وما توقظه في النفوس من وعي.

معرفتي به… بدأت من الكتاب

كانت معرفتي بالشيخ عبداللطيف الشبيب في بدايتها معرفةً من بعيد؛ عرفته من خلال كتبه، ومن خلال ذلك الفكر الذي كان يتسلل من بين السطور ليكشف عن شخصية علمية جادة، تقرأ الواقع، وتحاول أن تقدم للإنسان المسلم رؤية واعية تجاه قضايا عصره.

ومن الكتب التي لفتت انتباهي تلك السلسلة التي شارك في إعدادها مع سماحة الشيخ محمد العليوات تحت عنوان «بصائر في التشريع الإسلامي»، ومن عناوينها:

«اللهو إهدار للطاقة».

«الإسلام والفكر المضاد».

«الإعلام في الإسلام».

«القانون الأخلاقي في الإسلام - الغيبة مثالًا».

كنت أقرأ هذه الكتب فأجد فيها مادةً علمية وفكرية مميزة، وطرحًا يتجاوز التناول التقليدي لبعض الموضوعات، حتى تولّد لدي شوقٌ إلى أن ألتقي بهذا العالم عن قرب، وأن أستمع إلى حديثه مباشرة.

اللقاء الأول

وجاء ذلك اليوم.

التقيت بالشيخ في منزل أستاذنا سماحة الشيخ فيصل العوامي، وكان الشيخ الشبيب يتحدث في موضوع فكري عميق.

جلست أستمع إليه بكل كياني.

لم يكن حديثه مجرد كلمات تُقال، بل كان فكرًا يتشكل أمامك؛ تحليلًا هادئًا، وربطًا بين الفكرة والواقع، وقراءة تنمّ عن عقلٍ رصين، وثقافة واسعة، واهتمام حقيقي بصناعة الوعي.

خرجت من تلك الجلسة وأنا أشعر أنني لم أكن أمام عالم تقليدي، بل أمام مفكر يحمل مشروعًا.

وبعد تلك الجلسة وصلتني بعض محاضراته المسجلة على أشرطة الكاسيت، ومنها محاضرات عن آداب الصلاة وخطبة المتقين.

كنت أستمع إليها فأجد في كل مرة زاوية جديدة، وقراءة مختلفة، وطرحًا لا يكتفي بتكرار المألوف، وإنما يحاول أن ينفذ إلى أعماق النص ليقدمه بروح جديدة، تربط الدين بالإنسان، والفكر بالسلوك، والمعرفة بالحياة.

وهكذا كان الشيخ عبداللطيف الشبيب؛ مفكرًا في رؤيته، مجددًا في طرحه، مثابرًا في درسه، جادًا في مشروعه، وهي الصفات التي يشهد بها أيضًا من عرفوه عن قرب وتتلمذوا على يديه.

حين يبقى العالم بعد رحيله

تمر الأعوام، ولكن العلماء الحقيقيين لا تغيب أسماؤهم بغياب أجسادهم.

تبقى كتبهم، وتبقى أفكارهم، وتبقى الأسئلة التي أثاروها، وتبقى البصائر التي فتحوا بها نوافذ جديدة للوعي.

ومن هنا، فإن الوفاء للشيخ عبداللطيف الشبيب لا ينبغي أن يقتصر على استذكار اسمه في ذكرى رحيله، وإنما يكون بإعادة اكتشاف مشروعه العلمي والفكري، وقراءة تراثه قراءة جديدة، وجمع محاضراته، وتحقيق ما بقي من آثاره، وإعادة طباعة كتبه ونشرها في الوسط الثقافي؛ لأن كثيرًا مما كتبه لا يزال يحتفظ بقيمته وراهنيته.

ومن بين كتبه التي أرى أنها جديرة بإعادة القراءة والطباعة بحلة جديدة، كتابان فكريان مهمان:

«العولمة الثقافية»

يتناول الكتاب تأثير العولمة في الثقافة والهوية والقيم، ويناقش مخاطر الاستلاب الثقافي وإضعاف الخصوصية الدينية والفكرية، مع التأكيد على ضرورة الانفتاح الواعي على منجزات العصر دون الذوبان فيها أو فقدان الهوية.

«المثقف وأمانة الكلمة»

يناقش الكتاب مسؤولية المثقف في تلقي المعرفة، والبحث، وإبداء الرأي، مؤكدًا أهمية التثبت من المصادر، والتجرد من الأحكام المسبقة، والتحلي بالصدق والحكمة، وأن تكون الثقافة أمانةً ينسجم فيها الفكر مع السلوك.

ولعلنا اليوم، في زمن تتسارع فيه الأخبار والآراء، وتنتشر الكلمة في ثوانٍ إلى آلاف الناس، أحوج ما نكون إلى استعادة مفهوم «أمانة الكلمة» الذي تحدث عنه الشيخ قبل سنوات.

ويبقى الأثر…

ستة وعشرون عامًا مضت على رحيل الشيخ عبداللطيف الشبيب، لكن بعض الرجال لا يأخذهم الغياب كاملًا.

يبقى منهم كتابٌ على رف، ومحاضرة في ذاكرة، وفكرة توقظ عقلًا، وكلمة تغيّر مسار إنسان.

لقد غاب الشيخ عن أعيننا، ولكن شيئًا منه لا يزال حاضرًا بيننا.

وهنا تحضر كلمات أمير المؤمنين بكل دلالتها:

«أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة».

رحم الله سماحة العلامة الشيخ عبداللطيف الشبيب رحمة واسعة، وجزاه عن العلم والثقافة والوعي خير الجزاء، وجعل ما كتبه وعلّمه وبثّه من فكرٍ نافع في ميزان حسناته.

ولعل أجمل وفاء نقدمه له في ذكرى رحيله أن نعيد كتبه إلى أيدي القراء، ونمنح أفكاره حياةً جديدة؛

فالعالم قد يغادر الحياة… لكن الكلمة الصادقة تستطيع أن تهزم الغياب.

أخصائي التغذية العلاجية