العصا المعجزة

 

 

 

 

﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ (31) القصص

في هذه الآية إجمال لتفصيل ورد في سورة طه في الآيات التاليات:﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (18) قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى (19) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (20).

فقد سأله الله سبحانه وتعالى – وهو العالم بكل شيء- عما في يده اليمنى، فأجاب إجابة مطولة لِمَا شعر من لذة الحديث مع الله. سأله الله لا للاستفهام وإنما سؤال المنبه له لما سيؤول إليه أمر العصا التي ستتحول من حالة إلى أخرى، من مجرد عصا إلى كائن ذي دور كبير في حياة أمة بأكملها، يُبطل السحر ويفلق البحر ويفجر الصخر.

سأله الله تعالى أن يلقي عصاه تلك، فاستجاب عليه السلام لأمر الله وألقاها، فكانت المفاجأة المذهلة أمامه، حيث شاهد من ذلك الجماد حركة سريعة واضطرابا، ففر منها فرارا من غير رجعة ﴿وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ، فأتاه النداء الإلهي طالبا منه العودة وعدم الخوف لأنه في حضرة الله تعالى من الآمنين.

وقفات:

1- لم يكن مع موسى عليه السلام سوى نعليه وعصاه بعد أن ترك أهله، فأمره الله تعالى بخلع النعلين وإلقاء العصا ليحظى بالمزيد من القرب الإلهي، فالإنسان لا يصل إلى التحلية ثم التجلية إلا بعد التخلية . وهكذا أيضا إذا أردنا الدخول في الصلاة التي هي معراج المؤمن فإن علينا قبل ذلك أن نتخلى عن كل ما يشغلنا عن الله تعالى لنكون مقبلين بقلوبنا على الله فيُقبِل علينا بوجهه الكريم.

2- قدرة الله مطلقة في الكون لا يحدها حد ولا يقيدها قيد. وهذا يعطي الإنسان المؤمن الأمل الدائم بلا حدود حتى حين تستنفد الوسائل العادية أغراضها، وحين تُسد جميع الأبواب.

3- فرار موسى من العصا حين رآها بتلك الصورة المرعبة لم يكن من الجبن المذموم، بل إنه من الأمور الموافقة لطبع الإنسان حين يشعر بخطر عظيم ولا يجد ما يدافع به عن نفسه. كما أنه لم يكن مأمورا بالبقاء مكانه، بل كان الأمر متعلقا بإلقاء العصا فقط، وقد فعل ذلك.

4- سرعة الاستجابة والامتثال لأمر الله تعالى دون تأخير، حتى إن هذه الآية سكتت عن أنه ألقى وتحدثت عما بعد الإلقاء.﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ.

5- يحتاج الإنسان في المواقف الصعبة إلى أكثر من رسالة تطمينية وتعزيزية ليستعيد توازنه، وهذا واضح في قوله تعالى ﴿يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ ، حيث توجد أربع رسائل: نداء محبب بالاسم، أمر لطيف بالعودة مقبلا، نهي عن الخوف، تأكيد بالأمن الذي لا يشوبه خوف أبدا.

6- تحدثت هذه الآية عن رؤية العصا ﴿تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ، وفي سورة طه عن صيرورتها حية ﴿فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى، وفي سورتي الأعراف والشعراء عن صيرورتها ثعبانا ﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ . ولا منافاة بين هذه التعبيرات القرآنية، ففي سورة القصص لم تتحول العصا إلى جان، وإنما هناك تشبيه للعصا في سرعة حركتها واضطرابها بالجان التي هي الحية الصغيرة التي ليست بالعظيمة. أما الحية فهي اسم جنس يقع على المذكر والمؤنث والصغير والكبير، والثعبان هو الحية العظيمة الجثة، فبين الحية والثعبان عموم وخصوص مطلق، أي أن الحية أعم مطلقا من الثعبان، والثعبان أخص مطلقا من الحية، كدائرة صغيرة تقع ضمن دائرة أوسع. ولعل ذكر الحية في سورة طه حيث الموقف الأول للتنبيه على اكتساب العصا الجمادية حياة فاعلة. أما ذكر الثعبان العظيم فقد كان لبيان القوة المقابلة لقوة السحرة يوم الزينة بعد ما ألقوا ما ألقوا وأثروا في الجماهير ﴿سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاؤُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ .

7- يقول صاحب الميزان: وقوله: ﴿لا تخف نهي مطلق يؤمنه عن كل ما يسوء مما يخاف منه ما دام في حضرة القرب والمشافهة سواء كان المخوف منه عصا أو غيرها. ولذا علل النهي بقوله: ﴿إني لا يخاف لدي المرسلون فإن تقييد النفي بقوله: ﴿لدي يفيد أن مقام القرب والحضور يلازم الأمن ولا يجامع مكروها يخاف منه، ويؤيده تبديل هذه الجملة في القصة من سورة القصص من قوله: ﴿إنك من الآمنين فيتحصل المعنى: لا تخف من شيء إنك مرسل و المرسلون - و هم لدي في مقام القرب - في مقام الأمن و لا خوف مع الأمن.

8- ويقول أيضا: وأما إن الأنبياء والمرسلين لا يخافون شيئا وهم عند ربهم - على ما يدل عليه قوله: ﴿إني لا يخاف لدي المرسلون - فهم لا يملكون هذه الكرامة من عند أنفسهم بل إنما ذلك بتعليم من الله وتأديب وإذ كان موقف ليلة الطور أول موقف من موسى قربه الله إليه فيه وخصه بالتكليم وحباه بالرسالة والكرامة فقوله: ﴿لا تخف إنك من الآمنين وقوله: ﴿لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون تعليم وتأديب إلهي له . فتبين بذلك أن قوله: ﴿لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون تأديب وتربية إلهية لموسى وليس من التوبيخ و التأنيب في شيء.

9- قد يجهل الإنسان أحيانا القيمة الحقيقية لما تحت يده، فيظنه شيئا عاديا يشبه أمثاله، ولكن الله قد يجعل فيه خيرا كثيرا. وهكذا كانت العصا.

10- الله سبحانه وتعالى كما يمنح الكرامة والقدسية والبركة لبشر، كذلك يمنحها لغيره من حيوان (ناقة الله) أو (شجرة مباركة) أو جماد كالعصا أو مكان كالوادي المقدس أو زمان كليلة القدر.

شاعر وأديب