معجزة أخرى

 

 

 

﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (32) القصص

لا يزال موسى في الوادي المقدس يتلقى الوحي الإلهي والفيوضات الربانية، فبعد آية العصا تأتي آية اليد النورانية، فكأنهما آية للإنذار وأخرى للبشارة، فالأنبياء بعثهم الله تعالى مبشرين ومنذرين.

في هذه الآية أمرٌ لموسى بأن يدخل يده في جيبه أي في فتحة قميصه عند صدره لتخرج بعد ذلك بيضاء منيرة من غير سوء، أي أن البياض نوراني نقي من غير برص.

فهاتان (العصا واليد النورانية) حجتان قاطعتان من الله تعالى يذهب بهما موسى إلى فرعون وملئه لعلهم يهتدون، لأنهم فسقوا عن أمر الله وخرجوا عن الصراط الحق والفطرة السليمة.

وقفات:

1- جاء الأمر هنا بلفظ ﴿اسْلُكْ يَدَكَ، وفي آية أخرى ﴿وَأَدْخِلْ يَدَك ، والمعنى واحد ولكن الفرق هو أن السلك إدخال بنفاذ، كما قال الله تعالى:﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ. كما إن لفظة السلك تدل على وجود طريق ممهد وسالك: ﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً .

2- كما في الآية السابقة، لم تذكر هذه الآية أو التي بعدها بأنه قام بتنفيذ هذا الأمر، وذلك لبيان أن استجابة موسى لأمر ربه أمر مؤكد ومفروغ منه، وأنه لا يتأخر أبدا عن ذلك.

3- هناك أسرار كثيرة قد لا نستطيع اكتشافها وفهمها. فقد كان بإمكان الله تعالى - وهو على كل شيء قدير - أن يجعل يد موسى بيضاء منيرة من غير أن يدخلها في جيبه، فلماذا أمره بذلك الفعل وبتلك الكيفية المعينة؟ وفي هذا درس كبير لنا حين نجهل علة حكم معين أن لا نتردد في تنفيذه ما دمنا قد علمنا بأن الله حكيم وأن هناك وراء كل أمر أو نهي حكمة علمناها أو لم نعلمها.

4- للجسد لغته التي ينبغي أن نتعلمها، وقد تطرقت كثير من الآيات لهذه اللغة كقوله تعالى ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ، ﴿خَائِنَةَ الأَعْيُنِ ، ﴿لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ ، وغيرها من الآيات. كما إن لبعض الحركات الجسدية تأثيرا على استقرار النفس، ففي هذه الآية أمر الله تعالى موسى أن يضم إليه جناحه ليذهب عنه الخوف وليكون أكثر تجلدا ورباطة جأش.

5- اختلف المفسرون كثيرا في المراد من قوله ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ وكيفية التوفيق بين هذه الآية وقوله في سورة طه ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى .

ولكن المتأمل فيهما يرى أن الآيتين تتحدثان عن موقفين مختلفين. فالآية في سورة طه تتحدث عن كيفية إدخال اليد وأين وكيف تستقر، فهي تأمر موسى أن يدخل يده اليمنى في جيب قميصه إلى أن تصل إلى إبط يده اليسرى المعبر عنها بالجناح، ربما لأنها مرفوعة كالجناح، فتضمها. أما الضم المذكورة في سورة القصص فهو ضم الجناح أي اليد اليسرى المرتفعة إلى الجسم أي إنزالها وإلصاقها بالجسم.

وبعبارة أخرى ما حدث – كما نحتمل - هو التالي: إدخال اليد اليمنى إلى إبط اليد اليسرى المرفوعة، ثم إخراج اليد اليمنى ووقوع المفاجأة بصيرورتها بيضاء منيرة وقد كانت سمراء، مما يحدث نوعا من الرهبة، ثم الأمر بإنزال اليد اليسرى وضمها للجسم ليحدث التماسك على مستوى الخارج والداخل أي الجسد والنفس.

هذا ما وصلت له من تأمل بعد أن اطلعت على الكثير من الآراء المتعلقة بهاتين الآيتين، والله العالم بحقائق الأمور.

6- زود الله الإنسان بأدوات يستطيع من خلالها التحكم بانفعالاته من خوف أو قلق أو غضب أو غيرها، وكلما زاد الإنسان معرفة بهذه الأدوات استطاع أن يستثمرها بشكل أفضل.

7- الدعوة إلى الله تعالى لا تتم عن طريق الإكراه والقسر، وإنما بالبرهان والدليل. وكلما تكاثرت البراهين والآيات كلما كانت الحجة أقوى، فالله سبحانه وتعالى لم يبعث موسى ببرهان واحد بل ببرهانين (العصا واليد) في تسع آيات هي بالإضافة لهذين البرهانين الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والسنون ونقص من الثمرات كما ورد في القرآن الكريم. لذا فإن على المشتغلين بالدعوة أن يتسلحوا بأقوى الأدلة والبراهين، ولا يكتفوا بالشيء اليسير منها.

8- البرهان الإلهي كالقرآن مثلا نعمة من الله تعالى لتربية الناس، وهذا ما قد يدل عليه استعمال لفظ (ربك) بدل لفظ ( الله ) في قوله تعالى ﴿بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ.

9- ينبغي أن تصل الدعوة إلى مراكز النفوذ والتأثير في المجتمع ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ باعتبارهم الأكثر سيطرة على مفاصل المجتمع وقدرة على تغيير قناعاته.

10- على المشتغلين بالدعوة أن يشخصوا أمراض المجتمعات التي يريدون العمل بها، وهذا ما قد نستفيده من قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ.

شاعر وأديب